الدفتر الثاني

73- لن تتبرّر نفس دون أن تعود بثقة إلى رحمتي، لذا يخصّص الأحد الأول بعد عيد الفصح لعيد الرحمة

560- يوم الخميس. شعرتُ بقوة تدفعني أن أبدأ في أقرب وقت مستطاع المهمّة التي أوكلها إليّ الرب. وبينما كنتُ أعترف فضّلْتُ رأيي على رأي معرّفي. لم أُدرِك أوَّلاً ذلك. ولكن في ساعة السجود رأيتُ الرب يسوع كما بدا لي في الصورة وقال لي إنه يتوجّب عليّ أن أردّد على معرِّفي وعلى رئيساتي كل شيء قاله لي وطلبه إليّ.
«
… وافعلي فقط ما يسمحون به لكِ». وأفهمني كم يستاء من الأنانيّين وأنا واحدة منهم. رأيتُ في داخلي ظلّ الأنانيّة، ورميتُ نفسي في التراب أمام عظمته، وطلبتُ إليه المغفرة بقلب منكسر. ولكن لم يتركني يسوع في هذه الحالة وقتاً طويلاً. ملأ نظره الإلهي قلبي بفرحٍ لا أجدُ كلاماً للتعبير عنه، وأفهمني يسوع أنه ينبغي علي أن أزيد من الأسئلة عليه وأن أطلب نصيحته. كم هو عذب، بالواقع، نظر الرب. خَرَقَتْ عيناهُ نفسي إلى أعماق سرّها. وتحدَّثَتْ نفسي إلى الله دون أن ألفظ كلمة. إنني أدرك إنني أعيش فيه وهو يعيش فيّ.

561- رأيتُ فجأة الصورة في كنيسة صغيرة. وتحوّلت الكنيسة فجأة إلى هيكل ضخم وجميل. ورأيتُ في هذا الهيكل أمّ الله مع الطفل على ذراعيها. واختفى، بعد وقت قصير، الطفل عن ذراعيّ أمه. ورأيتُ صورة حيّة ليسوع المصلوب. قالت لي أم الله أن أصنع ما صَنَعَتْ هي؛ أي أن أركّز دائماً نظري على الصليب، حتى في حالة الفرح، وقالت لي إنّ النِّعَم التي أُعطِيَت لي، لم تكن لي وحدي بل لكل النفوس الباقية.

562- لمّا أرى الطفل يسوع طوال القداس، لا يكون دائماً بنفس الحالة، فهو أحياناً فَرِحٌ جدًّا وأحياناً لا ينظر حتى إلى الكنيسة. هو غالباً فَرِحٌ لمّا يُقدِّم المعرّف [الأب سوبوكو] الذبيحة الإلهية. دهشْتُ جدًّا لفرط محبة يسوع له. أرى [يسوع] من وقت إلى آخر يرتدي مريولاً ملوَّناً.

563- قبل أن آتي إلى فيلنيوس وألتقي بمعرّفي، رأيتُ مرة كنيسة صغيرة وبقربها هذه الجمعية! كان في الدير اثنتا عشر غرفة وتعيش كل راهبة منفردة. رأيتُ الكاهن [الأب سوبوكو] الذي ساعدني لأتحضّر إلى الدير، وقد سبق وتعرَّفتُ إليه في الرؤية. رأيته كيف يدبّر كل شيء في الدير بعناية كبرى، يساعده كاهن آخر [ربما الأب ونتوشفسكي Wantuchowsky]. لم أعرفه من قبل. رأيتُ الشعريّة الحديدية مغطّاة بستار أسود ولا تخرج الراهبات إلى الكنيسة.

564- في عيد حبل أمّ الله الطاهرة، سمعتُ وقت القداس حفيف ثياب ورأيتُ أمّ الله الكليّة القداسة في إشعاع جميل. كان ثوبها الأبيض مزخرفاً بوشاح أزرق. قالت لي: «إنك تتسبّبين لي بفرح كبير عندما تعبدين الثالوث الأقدس للنِّعَم والامتيازات التي أُعطِيَتْ لي». ثم اختفت فجأة.

التكفيرات والإماتات

565- تحتل الإماتات الداخلية المرتبة الأولى. ولكن بالإضافة إلى ذلك يجب القيام بإماتات خارجية محدّدة بدقة كي يتمكن الجميع من ممارستها. وهذه هي التالية: في أيام الأسبوع، الثلاثة، الأربعاء والجمعة والسبت يُحفظ صوم صارم. كل يوم جمعة تَجلِدُ كل راهبة ذاتها طوال تلاوة المزمور 50، وكل الراهبات في الوقت نفسه وبالتحديد الساعة الثالثة، ويُقدَّم الجلد للنفوس المنازعة. ويقتصر الطعام في الصومين الكبيرين وفي أيام الجذوة وعشيّة الأعياد على قطعة خبز فقط وبعض الماء مرة في النهار.
ولتمارس كل راهبة هذه الإماتات المقرّرة للجميع. إذا أرادت إحداهنّ أن تقوم بإماتات إضافية، عليها أن تطلب إذناً من الرئيسة. هناك أيضاً أماتة عامة، لا يُسمَحْ لأية راهبة أن تدخل حجرة رفيقتها دون إذن خاص من الرئيسة. ولكن يحق للرئيسة أن تدخل، من وقت إلى آخر ودون سابق إنذار، إلى حجرة الراهبات، لا بداعي التجسس بل بروح المحبة والمسؤولية التي تحملها قدّام الله. ولا تُقفِل أية راهبة على شيء بل يكون مفتاح عام بحوزة الجميع.

566- ذات يوم بعد المناولة المقدسة، رأيتُ الطفل يسوع واقفاً قرب مسجدي ومتَّكئاً عليه بيديه الصغيرتين. رغم أنه لم يكن إلاّ طفلاً صغيراً، امتلأت نفسي رهبة وخوفاً لأنني رأيتُ فيه قاضِيَّ وسيّدي وخالقي، ترتجف الملائكة في حضرة قداسته. وفي الوقت نفسه فاضت نفسي بحبٍّ لا يوصف، فَخِلْتُ أنني سأموت تحت تأثيره. أرى أنّ يسوع قوَّى نفسي ومكَّنَها من الإقامة معه وإلاّ لما تمكَّنْتُ من تحمّل ما اختبرتُه آنذاك.

علاقات الراهبات بالرئيسة

567- على كل الراهبات أن يحتَرِمْنَ الأم الرئيسة كما يحتَرِمْنَ يسوع بذاته، كما ذكرتُ لمّا تحدَّثتُ عن نذر الطاعة. ينبغي أن يتصرّفن معها بثقة الطفولة، فلا يتذمّرن أو يُخَطِّئَنَّها في أوامرها فهذا ما يُغيظ الله. لِيَقُدْ روحُ الإيمان كل واحدة في علاقاتها مع الراهبات، ولتطلب ببساطة كل ما تحتاج إليه. لا سمح الله أن تتسبّب أية راهبة بالحزن أو بالبكاء إلى الرئيسات أو بتكرار الإساءة. كما تجبر الوصية الرابعة الابن باحترام والديه هكذا فلتعلم كل راهبة أن الرباط الديني يلزمها باحترام الرئيسة. الراهبة السّيئة وحدها تأخذ حريتها بالحكم على رئيستها. فلتكن الراهبات صادقات مع رئيستهنّ فيخبرنها ببساطة الأولاد عن كل شيء يتعلّق بحاجاتهنّ.
فلتخاطب الراهبات رئيستهنّ بهذه العبارة: «مع إذنك، يا أختي الرئيسة». لا يجب أن يُقبّلنّ يدها ولكن كلما التَقَيْنَ بها في الممرات أو دخلن إلى غرفتها، فيحنين رأسهنّ قليلاً قائلات: «ليتمجّد يسوع المسيح».
فليُخاطِبنَ بعضهنّ بعضاً بعبارة «أيتها الأخت» ثمّ يُضِفْنَ اسمها. يجب أن تتميز علاقاتهنّ مع الرئيسة بروح الإيمان لا بنزعة عاطفية أو التقريظ. هذا التصرف لا يليق بالراهبة. وقد يُحِّطُ من قدرها. على الراهبة أن تكون حرّة كملكة ولا تستطيع إلى ذلك سبيلاً إن لم تعش بروح الإيمان. علينا أن نطيع الرئيسة ونحترمها ليس لأنها صالحة أو قديسة أو حكيمة، بل لأنها فقط تمثّل الله وبطاعتنا لها نُطيع الله نفسه.

علاقة الرئيسة بالراهبات

على الرئيسة أن تتميز بتواضعها ومحبّتها لكل راهبة على السواء. فلا تدع نفسها تنقاد بما تحب أو لا تحب، بل بروح المسيح وحده. فلتدرك أنّ عليها أن تؤدّي حساباً إلى الله عن كل راهبة. لا يجب أن تُنَظِّر في الأخلاق بل أن تُعطيهِنّ المثل في التواضع العميق ونكران الذات. تلك هي أجدى أمثولة تعطيها إلى مرؤساتها. عليها أن تتصرّف بحزم دون أن تقسى أبداً. عليها أن تصبر عندما تنزعج من نفس الأسئلة. ولو اضطرت أن تعطي نفس الجواب مئة مرة، عليها أن لا تفقد رصانتها.
فلتَسْعَ لتستبق حاجات الراهبات بدل أن تنتظر أن يطلبنها إليها، لأنّ البشر يتميّزون عن بعضهم البعض في أوضاعهم.
إذا لاحظت الرئيسة أنّ إحدى الراهبات هي حزينة أو متألّمة، فلتصنع جهدها لتساعدها وتشجّعها. عليها أن تصلّي كثيراً وتستنير كي تعرف كيف تتصرّف مع كل راهبة، لأنّ كل نفس هي عالمٌ قائمٌ بذاته. لله أساليب متنوعة للاتصال بالنفوس، غالباً ما تفوق إدراكنا وانتباهنا. على الراهبة أن تحرص على أن لا تُعيق عمل الله في النفس. لا يجب، وهي غاضبة، أن تُوبِّخ أية راهبة. يجب أن يتلطّف التوبيخ بالتشجيع. يجب أن تساعد الناس على معرفة خطئهم والإقرار به لا أن تسحقهم.
على الرئيسة أن تمتاز بحبها للراهبات، وأن تظهره في الأعمال. عليها أن تأخذ على ذاتها كل الأحمال الثقيلة كي تخفّف أحمال الأخريات. لا يجب أن تطلب إليهنّ أية خدمة، بل عليها أن تحترمهنّ كعروسات يسوع وأن تبقى دائماً على استعداد لخدمتهنّ ليلاً نهاراً. فلتطلب بدل أن تأمر. وليكن قلبها مفتوحاً على آلام الراهبات، فلتنظر هي عن كثب وتتعلّم من الكتاب المفتوح الذي هو يسوع المصلوب. فلتصلّي بحرارة كي تستنير، لا سيّما عندما تحتاج أن تُعالج قضية هامة مع إحدى الراهبات، فلتحرص ألاّ تتدخل في ضمير الراهبات، لأنّ هذه النعمة أُعطيت للكاهن وحده. ولكن قد تحتاج راهبة أن تكشف عن نفسها للرئيسة، فلتستمع حينئذ الرئيسة إلى هذا البَوْح. ولكن هي مُلزَمَة بحفظ السّر، إذ لا شيء يسيء إلى شخص أكثر من إفشاء أمر إلى الآخرين نكون قد أؤتمنا عليه سرًّا. تلك هي نقطة الضعف عند النساء. نادراً ما نجد امرأة بتفكير رجل. على الرئيسة أن تسعى إلى اتحاد وثيق مع الله حينئذ يُدير الله من خلالها. ستكون الأم العذراء الكلية القداسة رئيسة الدير، ونصبح نحن بناتها الأمينات.

569- 15 كانون الأول 1935. منذ صباح هذا اليوم الباكر كانت تدفع بي قوّة غريبة إلى التحرّك ولم تترك لي برهة سلام. تحرّك حماس متّقد في قلبي يدفع بي إلى العمل ولم أستطع إطفاءه. هو استشهاد سرّي يعرفه الله وحده. ولكن فليصنع بي ما يرضيه. إنّ قلبي مستعدّ لكل شيء، يا يسوع، أعزّ سيّد لي، لا تتركني ولو للحظة واحدة. أنت تعلم يا يسوع كم أنا ضعيفة وحدي. لذلك أدرك أنّ ضعفي يُجبرُكَ أن تكون معي دون انقطاع.

570- في إحدى المناسبات رأيتُ يسوع في ثوب برّاق، داخل البيت الزجاجي للبنات، [قال لي]: «دوّني ما أقوله لك. إنّ سعادتي هي في اتحادي بِكِ. أنتظر الوقت وأتوق إليه لأصنع إقامتي السريّة في ديرك. سترتاح روحي في ذلك الدير وسأخصّ جيرته ببركتي. حبًّا بكنّ جميعاً سأُبعِدُ كل عقاب تفرضه، على حق، عدالة أبي. يا ابنتي لقد عطف قلبي على طلباتك. تقتصر وظيفتك وواجبك حتماً على الأرض في طلب الرحمة لكل العالم. لن تتبرّر نفس دون أن تعود بثقة إلى رحمتي، لذا يخصّص الأحد الأول بعد عيد الفصح لعيد الرحمة: على الكهنة، في هذا اليوم، أن يُخبِروا كل واحد عن عظمة رحمتي التي لا تُدرك. أُقيمُكِ مدبّرة لرحمتي. قولي للمعرّف إنّ رسمي يجب أن يكون معروضاً في الكنيسة لا داخل الشّعرية في الدير. سأغدق الكثير من النعم على النفوس بواسطة هذا الرسم. لذلك سهّلي وصول كل إنسان إليه».

571- يا يسوع الحقيقة الأزلية، لا أخاف شيئاً، لا الصعوبات ولا الآلام. أخاف شيئاً واحداً فقط وهو أن أُهينَكَ يا يسوع، أفضّل أن أموت من أن أُغيظَكَ. أنت تعرف يا يسوع أنّ قلبي لا يحبّ أحداً سواك. إنّ نفسي هي مستغرقة فيك.

572- آه! كم يجب أن يكون عظيماً حماس كل نفس التي ستعيش في الدير، لأنّ الله يرغب أن يأتي ويعيش معنا، فلتتذكر كل واحدة، إذا كنّا نحن الراهبات لا نتوسّل أمام الله، فمن يتوسّل إذاً؟ على كل واحدة منّا أن تحترق كذبيحة طاهرة أمام عظمة الله، ولكن عليها أن تتّحد بيسوع اتحاداً وثيقاً، كي تُرضي الله. وفيه ومن خلاله فقط نستطيع أن نُرضي الله.

573- 21 كانون الأول 1935. ذات يوم طلب إليّ معرّفي [الأب سوبوكو] أن نذهب وننظر إلى بيتٍ ما، ونرى إذا كان هو البيت عينه الذي شاهدته في الرؤية. ولمّا ذهبتُ مع معرّفي لنرى هذا البيت أو بالأحرى تلك الخربة، أدركتُ بلمحة بصر أنّ هذا هو البيت بالذات الذي سبق وشاهدته في الرؤية. ولمّا لمستُ الألواح المسمّرة إلى بعضها البعض، مكان الأبواب، سيطَرَتْ على نفسي قوّة أشبه ببريق نور، أعطتني ثقة لا تتزعزع. غادرتُ ذلك المكان بسرعة والفرح يملأ قلبي وقد بدا لي أنّ قوة تقيّدني هناك.

سُرِرتُ أن أرى أنّ كل شيء ينطبق تماماً مع ما شاهدتُهُ في الرؤية. ولمّا تحدّث إليّ معرّفي، عن طريقة إعداد الغرف وأشياء غيرها، تأكَّدتُ أنّ كل شيء كان كما أخبرني يسوع. كنتُ سعيدة أن يعمل الله من خلال معرّفي ولم أَعْجَبْ أن يكون الله قد أفاض عليه الكثير من النور، لأنّه هو بذاته نور ويعيش في القلب الطاهر والمتواضع، وأنّ كل الآلام والصعوبات لا تهدف إلاّ لإظهار قداسة النفس. لمّا رجعتُ إلى البيت ذهبتُ فوراً إلى الكنيسة لأرتاح قليلاً فسمعتُ فجأة هذه الكلمات في نفسي: «لا تخافي شيئاً أنا معكِ. إنّ هذه الأمور هي بين يديّ وسأجعلها تُثمر حسب رحمتي لأنّ لا شيء يستطيع أن يُعارض إرادتي».

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق