78- القديسة فوستينا تشاهد أحداث أحد الشعانين و الجمعة العظيمة

634- 22 آذار [1936]. لمّا وصلتُ إلى فارسو، دخلتُ إلى كنيسة صغيرة، لوقت قصير، لأشكر الرب على السفر السليم ولأطلب إليه أن يساعدني ويعطيني النعمة اللازمة لكل ما ينتظرني هناك. أخضَعْتُ نفسي في كل شيء لإرادته المقدسة. سمعتُ هذه الكلمات: «لا تخافي شيئاً، ستصبح كل الصعوبات سبيلاً لإتمام إرادتي».

635- 25 آذار. في الصباح وقت التأمل، خصّني الله بحضوره. فرأيتُ صلاحه الذي لاحدود له، وفي الوقت ذاته، تنازله نحو خلائقه. ثم رأيتُ أمّ الله التي قالت لي: «آه! كم هو مخيف ذلك اليوم. يوم العدالة هو مقرّر، يوم الغضب الإلهي. ترتجف الملائكة أمامه. حدّثي النفوس عن تلك الرحمة الكبيرة طالما هناك وقت [للحصول] عليها. إذا لازمتِ الصمت فسيتوجّب عليكِ أن تؤدّي حساباً عن عدد كبير من النفوس في ذلك اليوم. لا تخافي شيئاً. ثابري في الأمانة حتى النهاية. إنني أتعاطف معكِ».

636- لمّا وصلتُ إلى فالندوف (Walendow) رحّبت بي إحدى الراهبات. «يا أختي، طلما جئتِ إلينا فستسير الآن الأمور على ما يرام». فأجبتها: «لماذا تقولين لي هذا يا أختي». أجابت أنها شعَرَتْ به في نفسها. كانت تلك الراهبة تتميّز بالبساطة وبإرضاء قلب يسوع. كان الدير بالفعل في حالة (اقتصادية) سيئة. لن أذكر كل ذلك هنا.

637- الاعتراف. لمّا كنتُ أتحضَّرُ للاعتراف قلتُ ليسوع المختبئ في القربان المقدّس. «أضرعُ إليك، يا يسوع، أن تكلّمني بِفَمِ هذا الكاهن. وسيكون ذلك علامة لي. لأنه لا يعرف أبداً أنني أريدُ أن أؤسّس رهبنة الرحمة. دعهُ يقول لي شيئاً ما عن هذه الرحمة».

لمّا دخلتُ كرسي الاعتراف وبدأتُ أعترف، قاطعني الكاهن وأخذ يحدّثني عن رحمة الله العظمى بحماس لم يسبق لي أن سمعتُ أحداً يحدّثني مثله عنها: «هل تعلمين أنّ رحمة الرب هي أعظم من كل أعماله، فهي إكليل أعماله». واستمعتُ بانتباه إلى كل هذه الكلمات التي كان يقولها الرب من خلال فم الكاهن رغم أنني أؤمن أنّ الله يحدّثنا دائماً من خلال شفاه الكاهن في كرسي الاعتراف، فقد اختبرتُ ذلك بشكل خاص في هذه المناسبة. ورغم أنني لم أُعلن له شيئاً عن الحياة الإلهية في نفسي واكتفيتُ بأن أشكي له إهاناتي، حدّثني هو، من تلقاء نفسه، عن الكثير عمّا يخالج نفسي وألزمني أن أكون أمينة لإلهامات الله. قال لي: «أنتِ تسيرين في الحياة مع أمّ الله التي تجاوبت بأمانة مع كل الإلهامات الإلهية». يا يسوع من يستطيع أن يُدرك أبداً صلاحكَ؟

638- يا يسوع، أبعد عنّي كل الأفكار التي لا تتوافق مع إرادتك. إنني أعلم أن لا شيء يربطني في هذه الأرض سوى عمل الرحمة هذا.

639- الخميس. رأيتُ عند عبادة المساء، يسوع مجلوداً ومعذباً وقال لي: «يا ابنتي، أريدُ أن تتكلي على معرّفك حتى في الشؤون الصغيرة. إنّ أكبر تضحياتك لن تُرضيني إذا قمتِ بها دون استئذان معرّفك». من جهة، إنّ أصغر التضحيات ستجد قيمة كبيرة إذا قُمتِ بها مع إذنِهِ. إنّ أكبر الأعمال هي كلا شيء، في نظري، إذا قمتِ بها بدافع الأنانية وتستحق العقاب بدل من المكافأة لأنها لا تتطابق مع إرادتي. ومن جهة ثانية إنّ أصغر أعمالِكِ التي تقومين بها مع استئذان معرّفك هي عزيزة عليّ وترضي ناظري. اثبتي على ذلك. وكوني دائماً يقظة، لأنّ نفوساً عديدة تبتعد عن أبواب الجحيم وتعبد رحمتي. لا تخافي شيئاً طالما أنا معك. واعلمي أنّك لا تستطيعين شيئاً وحدك».

640- في يوم الجمعة الأول من الشهر، قبل المناولة، رأيتُ حِقًّا كبيراً مملوءاً بالبرشان المقدس. وضَعَتْ يَدٌ الحِقُّ أمامي، فأخذته بيديَّ وكان في داخله ألوف البرشانات الحيّة. سمعتُ حينئذ هذا الصوت: «لقد أعطيتُ بعض البرشانات إلى النفوس التي نلْتِ لها نعمة الارتداد الحقيقي طوال هذا الصوم». كان ذاك في الأسبوع السابق للجمعة العظيمة. أمضيتُ النهار في خشوع داخلي عميق، متخلّيّة عن ذاتي من أجل النفوس.

641- آه! يا لها من سعادة أن أفرِغ ذاتي من أجل النفوس الخالدة. إنني أُدركُ أنّ على حبة الحنطة أن تُمحَق وتُسحَق تحت حجر الطاحون لتصبح طعاماً. هكذا عليّ أن أُمحَق لأفيد الكنيسة والنفوس، رغم أنّ لا أحد يلاحظ خارجياً نصيحتي. يا يسوع، كم أريد أن أختفي مثل تلك البرشانة الصغيرة التي خارجياً، لا تُبصِرُ العين فيها شيئاً، بينما أنا قربانة مقدسة لك.

642- أحد الشعانين . اختبرتُ هذا الأحد بشكل مميّز عواطف قلب يسوع الكلّي العذوبة. رأيتُ يسوع راكباً جحشاً ابن آتان يرافقه التلاميذ وجمهور غفير حاملين الأغصان في أيديهم، فرحين. وفرش بعضهم الأغصان على أقدام يسوع حيث كان راكباً، بينما رفعها البعض الآخر عالياً في الهواء قافزين وراقصين أمام الرب، حائرين كيف يعبّرون عن فرحهم. رأيتُ جمهوراً آخر أتوا لملاقاة يسوع وأوجههم كذلك تشعّ فرحاً، والأغصان في أيديهم يهتفون فرحاً دون انقطاع. كان هناك أيضاً أولاد صغار. لكن يسوع كان رصيناً وأفهمني كم كان متألِّماً آنذاك. حينئذ لم أعد أرى سوى يسوع وقلبه مشبّع بنكران الجميل.

643- الاعتراف الفصلي. الأب بوكوفسكي (Bukowski). لمّا دفَعَتْ بي قوة داخلية أن لا أؤجّل القضية، لم يعد باستطاعتي أن أجد سلاماً داخلياً. قلتُ إلى المعرّف، الأب بوكوفسكي: إنّه لم يعد باستطاعتي الانتظار. فأجابني الكاهن: «يا أختي، هذا وهمٌ. لا يمكن أن يطلب إليك يسوع هذا. لقد قدَّمْتِ نذوراتِكِ المؤبّدة، فكل ذلك وهمٌ، وأنتِ ترتكبين نوعاً من الهرطقة». وكان يصرخ فيّ، بأعلى صوته تقريباً. وسألته عمّا إذا كان كل ذلك وهماً حقًّا. أجاب: «كل شيء» فقلت له: «قل لي إذاً، من فضلك، أيّ اتجاه عليّ أن أسير فيه».

«يا أختي، عليكِ أن لا تتبعي أيّ إلهام. أبعِدي أفكاركِ عن كل هذه الأمور. ينبغي أن لا تُعيري أيّ انتباه إلى ما تسمعينه في داخل نفسك وحاولي أن تُحسني القيام بواجباتك الخارجية، لا تفكّري أبداً بهذه الأمور وأبعديها تماماً عن ذهنِكِ». أجبتُ: «حسناً، كنتُ لغاية اليوم، أتبعُ ضميري ولكن، طالما أنت تُرشدُني، فسأتوقّف، من الآن فصاعداً، عن الاهتمام بما يجول في داخلي». قال حينئذ: «إذا حدَّثَكِ الله من جديد، فاعلميني بذلك من فضلِكِ، ولكن لا ينبغي أن تأتي بأية مبادرة». لا أعلم لماذا كان الكاهن على هذا النوع من القساوة.

644- لمّا غادرتُ كرسيّ الاعتراف طَغَت على نفسي أفكار عديدة. لماذا أكونُ صادقة؟ ليس ما ذكرتُهُ خطيئة، إذاً، ليس من واجبي أن أقرّ به إلى الكاهن. ومرة أخرى، أيّ ارتياح في أن لا أكترث عمّا يجول في داخلي، طالما الأمور هي جيّدة في الخارج. لا ينبغي بعد الآن أن أُعير انتباهاً إلى أيّ شيء أو أن أتبع الأصوات الداخلية التي ألحَقَتْ بي غالباً الكثير من التحقير. سأكون حرّة من الآن فصاعداً. ولكن قد اعترى نفسي من جديد أَلَمٌ غريب. ألا أستطيع، إذاً، أن أتواصل مع الذي تشتاقُ إليه نفسي؟ والذي هو مصدر كل قوّة نفسي؟ فبدأتُ أصرخُ عالياً! «إلى من أذهب يا يسوع؟» ومنذ أن وضع عليّ المعرّف حظراً غَمَرَتْ نفسي ظلمة كثيفة. خفتُ أن أسمع أصواتاً داخلية التي قد تُزيل حَظر معرّفي. مجدَّداً صرتُ أموتُ شوقاً إلى الله. وتفتَّتَ داخلي، إذ لم يَعُدْ لديه إرادة ذاتية وقد أُعيدَتْ كلها إلى الله.

كان ذاك يوم أربعاء الآلام. تكاثفت الآلام في يوم الخميس. ولمّا بدأتُ تأمّلي، دخلتُ في شيء من النزاع. لم أشعر بحضور الله، بل ثقلَتْ عليّ عدالته. رأيتُ نفسي صريعة خطايا العالم. وأخذ إبليس يسخر مني: «أنظري، لن تسعَي من الآن فصاعداً إلى كسب النفوس. أنظري كيف كوفِئْتِ. لا يصدِّقكِ أحدٌ أنّ يسوع يطلب إليكِ ذلك. أنظري كم أنتِ تتألّمين الآن وكم ستتألّمين. على كل حال، لقد أراحكِ معرِّفكِ من كل هذه الأمور». أستطيعُ أن أعيش الآن كما أريد، طالما الأمور تسيرُ حسناً في الظاهر. عذّبتني هذه الأفكار المخيفة طوال الساعة بكاملها.

لمّا جاء وقت القداس قبض الألم على قلبي. ألَعَلِّي أغادِرُ الجمعية؟ طالما أنذرني الكاهن أنّ ذلك هو نوع من الهرطقة، فهل ابتعدتُ عن الكنيسة؟ صرختُ إلى الرب بصوت داخلي حزين: «خلّصني، يا يسوع». لكن، لم يَلِجْ نفسي شعاع نور واحد، وانهارت قواي، وكأنّ جسدي ينفصم عن الروح، فاستسلمتُ إلى إرادة الله وردَّدتُ: «حقّق يا رب فيّ كل ما قرّرته. لم أعد أملك شيئاً». حينئذ غمرني حضور الله فجأة ودخل في كل كياني. حصل ذلك حين تناولتُ القربان المقدس وفقدتُ كلّ إدراكٍ حولي وكل ما يتعلّق بي.

645- ثمّ رأيتُ يسوع كما هو مصوّر في الرسم. وقال لي: «أخبِري معرِّفكِ أنّ هذا هو عملي وأنني أستعملُكِ كآلة وضيعة». وقلت: «يا يسوع، لا أستطيعُ بعد الآن أن أعمل أيّ شيء تأمرني به، لأنّ معرّفي قالي لي أنّ كل ذلك هو وَهْمٌ ولن يسمح لي أن أطيعَ أيًّا من أوامرك. لن أصنع شيئاً تطلبه مني الآن. آسفة يا سيدي، لم يسمح لي أن أصنع شيئاً وعليّ أن أُطيع معرّفي. أطلبُ السماح منك، بكل جدِّيّة، يا يسوع أنت تعلمُ كم يتسبّب لي ذلك بألَمٍ ولا من يساعدني. لقد منعني معرّفي أن أتبع أوامرك». استمع يسوع إلى دفاعي وتشكّياتي بلطف ورضى. فكَرتُ أنّ يسوع قد يغتاظ كثيراً. ولكن بالعكس كان راضياً وقال لي بحنان: «أخبري دائماً معرِّفكِ عن كل شيء أقولُهُ لكِ وآمُرُكِ به، واعملي فقط ما يسمحُ به. فلا تضطربي ولا تخافي فأنا معكِ». فامتلأت نفسي فرحاً واضمحلّت كل تلك الأفكار المضنية. وخالج اليقين نفسي وغمرتها الشجاعة.

646- بعد قليل بدأتُ أعاني من الآلام التي اعترَتْ يسوع في بستان الزيتون. ودامت إلى يوم الجمعة صباحاً. ويوم الجمعة، اختبرتُ آلام يسوع، ولكن بشكل مختلف. جاء الأب بوكوفسكي، ذاك اليوم من ديربي (Derby). دفعتني قوة غريبة أن أعترف عنده وأخبره عن كل ما حلّ بي وعمّا قاله يسوع لي. ولمّا أخبرتُهُ بذلك كان له موقفٌ مختلفٌ جدًّا وقال لي: «لا تخافي شيئاً، يا أختي، فلن يمَسَّكِ أذًى، لأنّ يسوع لن يسمح بذلك. إن كنتِ مطيعة ومثابرة في هذه الاستعدادات فلا حاجة أن تقلقي من شيء. سيجدُ الله سبيلاً لإنجاز عمله. عليكِ أن تتحلّي دائماً بهذه البساطة وهذا الصدق وأن تُخبِري الرئيسة العامة عن كل شيء. وما قلتُهُ لكِ هو بمثابة تنبيه لأنّ الأوهام تؤثّر حتى على القدّيسين ويلعب الشيطان دوراً هامًّا في ذلك. ويتأتّى ذلك أحياناً من أنانيّتنا. لذا يجب التنبُّه. تابعي، إذاً، كما فعلتِهِ لحد الآن. إنَّكِ تَرَيْن يا أختي أنّك لم تُغيظي الله. ويمكنكِ يا أختي أن تُخبِري مجدَّداً عمَّا حصل لك حتى الآن، معرّفك العادي» [الأب سوبوكو].

647- فهمتُ شيئاً واحداً من ذلك وهو عليّ أن أصلي كثيراً على نيّة كل واحد من معرِّفِيَّ حتى ينالوا نور الروح القدس. لأنني كلّما أقتربُ من كرسيّ الاعتراف دون أن أسبق اعترافي بصلاة حارّة، فلا يفهمني معرّفي كما يجب. لقد شجّعني الكاهن على أن أصلي بحرارة على هذه النوايا حتى يعطيهم الله معرفة أوفر وإدراك الأمور التي يطلبها إليّ الرب: «اصنعي تساعية بعد تساعية، يا أختي، والله سوف لا يرفض نعمة».

648- الجمعة العظيمة . رأيتُ، الساعة الثالثة، يسوع مصلوباً، نظر إليّ وقال: «أنا عشطان». ثمّ رأيتُ شعاعين ينطلقان من جنبه كما يظهران في الرسم. شعرتُ حينئذ بشوق في نفسي أن أخلّص النفوس وأن أفرِغ ذاتي من أجل الخطأة المساكين. قرَّبتُ نفسي، مع يسوع المنازع، إلى الآب الأزلي من أجل خلاص كل العالم. مع يسوع ومن خلال يسوع، وفي يسوع، هو اتّحادي بك أيها الآب الأزلي. تعذّب يسوع في نفسه يوم الجمعة العظيمة بشكل يختلف تماماً عن [عذاب] خميس الأسرار.

649- قداس القيامة. [2 نيسان 1936]. لمّا دخلتُ الكنيسة استغرَقَتْ روحي في الله، كنزي الوحيد، وغمرني حضوره.

اكتب تعليق

ضع تعليقك
ضع أسمك هنا