80- فوستينا تشاهد العرش الذي أُعِدّ لها في السماء وترى أمّ الله تبكي وقد اجتاز قلبها سيف

 7 آب 1936

675- لمّا استملتُ الدراسة حول الرحمة الإلهية مع صورة [على الغلاف]، امتلأتُ، بشكل فائق العادة، من حضور الله. ولمّا استغرقتُ في صلاة شكر رأيتُ الرب، فجأة، في تألّق عظيم، تماماً كما هو في الرسم. ورأيتُ على قَدَميه الأب أندراز والأب سوبوكو، كان كلاهما يحمل قلماً في يده وكان ينبثق من رأس القلمين لمعان نور، ونور يطال جمهور شعب كبير مهرول إلى حيث لا أدري. وكل من لمسه شعاع نور، أدار ظهره فجأة إلى الجمهور وأمسك بيدَيّ يسوع. منهم من عاد بفرح كبير وغيرهم بألم وندم كبيرين، وكان ينظر يسوع إلى الكاهنين بحنان. بعد قليل تُرِكْتُ وحدي مع يسوع وقلت: «خذني الآن يا يسوع، لأنّ إرادتك قد تمّت» فأجاب يسوع: «لم تكتمل بعد إرادتي تماماً فيكِ، ستتألّمين كثيراً بعد، ولكن أنا معَكِ لا تخافي».

676- كنتُ أتحدَّثُ طويلاً مع الرب عن الأب أندراز والأب سوبوكو أيضاً. أعلمُ أنّ الرب لا يرفض شيئاً أطلبه إليه وسيعطيهما كل ما سأطلبه لهما. أُحسُّ وأُدركُ كم هي عظيمة محبّة يسوع لهما. لا أكتبُ عن هذا بالتفصيل ولكن أعرفُ ذلك وهذا سببُ فرحٍ لي.

15 آب 1936

677- لمّا كان الأب أندراز يحتفل بالذبيحة الإلهية غَمَرَ حضور الله نفسي، التي اجْتُذِبَتْ نحو المذبح. فرأيتُ أمّ الله مع الطفل يسوع. كان يسوع يتمسّكُ بيد العذراء. بعد قليل ركض الطفل يسوع بفرح نحو وسط المذبح فقالت لي أمّ الله: «أنظري بأية ثقة، أستودِعُ يسوع بين يديه، هكذا يجب أن تستودعي نفسَكِ وتكوني كطفلة له».

بعد هذه الكلمات امتلأت نفسي بثقة نادرة. كانت أمّ الله ترتدي ثوباً أبيض، ناصع البياض، شفَّافاً وعلى كتفيها معطف أزرق شفّاف، أو بالأحرى، يميلُ إلى لون الأزرق ورأسها مكشوف، وشعرها منساب. بدَتْ رائعة و بجمال لا يوصف. كانت تنظر إلى الكاهن بحنان، ولكن بعد حين، كَسَرَ الكاهن الطفل يسوع، وسال منه دمٌ حيّ. فانحنى وضمّ إليه يسوع الحقيقي الحيّ. هل أكَلَهُ؟ لا أعلم ماذا حصل. يا يسوع، يا يسوع، لا أستطيعُ أن أفهمَكَ، بلحظة تصبح غير مدرك.

678- إنّ جوهر الفضائل هي إرادة الله. كل من يتمّم إرادة الله بأمانة يمارس كل الفضائل. في كلّ حالات حياتي وأحداثها، إنني أعبُدُ وأبارِكُ إرادة الله. إنّ إرادة الله هي موضوعٌ حيّ. في عمق أعماق سرّ نفسي، أعيشُ حسبَ إرادته. أتصرَّفُ خارجيًّا، حسبما أُدرِكُ، في داخلي، إنّها إرادة الله. فالآلام والعذابات والاضطهادات وكل أنواع الخصومات هي، مع إرادة الله، أطيب إلى قلبي من كل شهرة وتعظيم وتقدير مع إرادتي الخاصة.

679- مساء الخير يا يسوع: الجرس يدعوني إلى النوم، أنت ترى يا يسوع أنّني أموتُ شوقاً لخلاص النفوس. مساء الخير يا حبيبي. إنني أفرحُ باقترابي يوماً آخر من الأبدية. وإذا جعلتني أستيقِظُ غداً، يا يسوع، فسأبدأُ ترنيمة جديدة لتمجيدِكَ.

680- 13 تمّوز. أدركتُ في تأمّل هذا اليوم أنه لا ينبغي أن أتحدّث أبداً عن خبرتي الداخلية، [ولكن] لا يجب أن أُخفي شيئاً عن مرشدي الروحي. وسأطلبُ إلى الله، بالأخص، أن يُنيرَ مرشدي الروحي. إنني أعلّق أهمية على كلمات معرّفي أكبر من مجموعة كل الأنوار التي أقبَلُها في داخلي.

681- في وسط عذاباتي الكبرى، تحدّق نفسي بيسوع المصلوب. لا أتوقَّعُ مساعدة من البشر ولكن أضعُ ثقتي في الله. إنّ رجائي يكمُنُ في رحمته التي لا تُسبَر.

682- يزداد شوقي إلى الاستغراق في الصمت بقدر ما يزداد شعوري أنّ الله يُحوِّلُني. إنّ حبّ الله يعملُ عمله في أعماق نفسي. أرى أنّ الرسالة التي أوكَلَها إليّ الرب قد بدأت.

683- كنتُ أصلّي مرّة بحرارة إلى قدّيسي الآباء اليسوعيين، رأيتُ فجأة ملاكي الحارس الذي قادني أمام عرش الرب. مررتُ أمام جمهور كبير من القديسين وتعرَّفتُ إلى العديد منهم، الذين عرفتهم من خلال صورهم.

رأيتُ عدداً من اليسوعيين الذين سألوني إلى أيّة جمعيةّ أنتمي. ولمّا أجبتُهُم، سألوني: «ومن هو مرشدُكِ الروحي؟» أجبتُ: «هو الآب أ.». ولمّا حاولتُ أن أُسهِب في الكلام، أشار إليّ ملاكي الحارس أن أسكُت، وجئتُ أمام عرش الله، رأيتُ نوراً كبيراً يتعذَّرُ الوصول إليه، ورأيتُ مكاناً مُعدًّا لي، قرب الله. ولكن لم أدرِك شكله لأنّ ضبابةً غطَّتهُ. غير أنّ ملاكي الحارس قال لي: «هذا هو عرشُكِ، لأمانتِكِ في تتميم إرادة الله».

684- ساعة سجود. الخميس. في ساعة السجود هذه، سمح لي يسوع أن أدخل إلى قدس الأقداس، وكنتُ شاهدة لما حصل هناك. غير أنّني تأثَّرتُ في العمق لمّا رأيتُ يسوع، قبل كلام التقديس، يرفعُ عينيه إلى السماء، ويتحدّث سريًّا مع أبيه. نستطيع فهم هذا الوقت فقط في الأبدية. كانت عيناه كَلَهيبَيّ نار. كان وجههُ مشعًّا، أبيض كالثلج. ملأتْ العظمة شخصه كليًّا كما ملأ الشوق نفسه. في وقت التقديس، ارتوى الحب واستراح واكتملت الذبيحة. وستُقام ليس فقط رتبة الدفن الخارجية، – كسر الخبز – بل إنّ جوهر [الذبيحة] كان أيضاً في قدس الأقداس. لم أفهم قطّ طوال حياتي عمق هذا السر، كما فهمته في ساعة السجود هذه. آه! كم أتوقُ أن يصل العالم كلّه إلى معرفة هذا السرّ غير المُدرك.

685- بعد ساعة السجود، أدركتُ فجأة، لمّا ذهبتُ إلى غرفتي، كم أهانَ الله في العمق، شخص عزيز على قلبي. اجتاز الألمُ نفسي لرؤية ذلك، وابسطتُ في التراب أمام الرب سائلة رحمته طوال ساعتين من الدموع والصلاة والجلد، أبعدْتُ عنه الخطيئة، وأدركتُ أنّ رحمة الله شمَلَتْ تلك النفس المسكينة. آه! يا لثمن خطيئة واحدة.

686- أيلول. أول يوم جمعة. في المساء رأيتُ صدر أمّ الله عارياً وقد اجتازه سيف. كانت تذرفُ دموعاً مرّة وتحمينا ضدّ عقاب الله المخيف. كان يريدُ الله أن يعاقبنا بقساوة، ولكن لم يستطع، لأنّ أمّه كانت تحمينا. قبضَ خوفٌ رهيب على نفسي. ثابرتُ في الصلاة من أجل بولونيا، وطني الحبيب، الذي تنَكَّرَ للجميل نحو أم الله. ولولا أمّ الله لذهَبَتْ كلّ جهودنا عبثاً. كثّفتُ صلواتي وتضحياتي لمسقط رأسي العزيز ولكن رأيتُ نفسي نقطة ماء أمام أمواج الشرّ. وهل يمكن أن توقِفْ نقطة ماء الموج. لا شكّ! إنّ نقطة الماء لا تستطيعُ شيئاً وحدها، ولكن معك يا يسوع، تستطيعُ أن تجابه بشجاعة كلّ أمواج الشرّ، وحتى الجحيم بكامله. إنّ قدرتك اللامتناهية تستطيعُ كل شيء.

687- كنتُ مرّة نازلة في الممرّ نحو المطبخ، سمعتُ هذه الكلمات في نفسي: «صلّي دون انقطاع السّبحة التي علَّمْتُكِ إياها. فمن يصليها يَنَلْ رحمتي العُظمى في ساعة الموت. ويوصي بها الكهنة الخطأة المنازعين كآخر رجاء للخلاص. حتى ولو تصلّب خاطئ ما في خطيئته فإن تَلا السبحة مرة واحدة، فسينال نعمة من رحمتي اللامتناهية. أرغبُ أن يعرف كل العالم رحمتي اللامتناهية. أريدُ أن أُغدِقَ نعماً تفوق كل تصوّر على كل النفوس التي تثق برحمتي».

688- يا يسوع، الحياة والحق والمعلّم قُدْ كلّ خطوة في حياتي كي أتصرّف حسب مشيئتك المقدسة.

689- رأيتُ في إحدى المناسبات عرش حمل الله وأمامه ثلاثة عروش: عرش ستانيسلاوس كوستكا [Kostka] وعرض أندراوس بوبولا [Bobola] وعرش الأمير كازمير، كانوا يتوسّلون من أجل بولونيا. ورأيتُ في الوقت نفسه كتاباً كبيراً موضوعاً أمام العرش، أُعْطِيَ لي لأقرأ فيه. كان مكتوباً بدم، فلم أستطع أن أقرأ فيه سوى اسم يسوع. ثمّ سمعتُ صوتاً يقول لي: «لم تأتِ ساعتُكِ بعد». ثم أُخِذَ مني الكتاب وسمعتُ هذه الكلمات: «ستشهدين لرحمتي اللامتناهية. لقد سجَّلْتُ في هذا الكتاب أسماء كل النفوس التي مجَّدَتْ رحمتي». فغمرني فرحٌ كبير لرؤية عظمة صلاح الله هذه.

690- في إحدى المناسبات، حدث لي أن عرفتُ حالة راهبتين تتذمّران في داخلهما من أمر وجّهتْهُ الأمّ الرئيسة، وقد حرمهما الله، بسبب ذلك، من نِعَمْ خاصة عديدة. فتألّم قلبي لهذا المشهد. كم هو مؤسف، يا يسوع، عندما نتسبّبُ نحن بفقدان النِّعَم. فمن يفهمُ ذلك يبقى دائماً أميناً.

691- يوم الخميس. رغم تعبي اليوم قرَّرْتُ أن أقوم بساعة سجود. لم أستطع أن أصلّي ولا أن أركع إنّما ثابَرْتُ في الصلاة لمدّة ساعة أتحدّث بالروح مع تلك النفوس التي كانت تعبدُ الله، لحد الآن، بشكل كامل. ولكن قُبيلَ نهاية الساعة، رأيتُ فجأة يسوع الذي حدّق بي بعمق وقال لي بعذوبة لا توصف: «إنني أرضى كل الرضى بصلاتك». بعد هذه الكلمات خالَجَتْ نفسي قوة فريدة وفرح روحيّ. ولم يتوقّف حضور الله من السيطة عليّ. آه! ماذا يحلُّ بنفسٍ تُلاقي الرب وجهاً إلى وجه. لم يسبِق أن عبّر قلمٌ عن ذلك كما ولن يستطيع أبداً في المستقبل.

692- يا يسوع، إنني أدركُ أنّ رحمتك هي أبعد من كل تصوّر، غير أنني أطلبُ إليك أن تجعل قلبي كبيراً ليتّسع إلى كل حاجات النفوس العائشة على وجه الأرض. يا يسوع إنّ محبّتي تمتدّ إلى ما وراء العالم إلى النفوس المعذّبة في المطهر، أُشفِقُ عليها بواسطة صلوات تسامحيّة. إنّ رحمة الله لا تُحدُّ ولا تنضُب كما أنّ الله بذاته لا يُحدّ. حتى ولو استعملتُ أكثر الكلمات تعبيراً عن رحمة الله، تبقى هذه الكلمات لا شيء بالمقارنة مع الحقيقة. يا يسوع في قلبي شفقة على كل آلام قريبي الجسدية منها والروحية. إنني أدركُ يا يسوع، أنّك تعاملنا كما نحن نعامل قريبنا.

اكتب تعليق

ضع تعليقك
ضع أسمك هنا