الدفتر الثالث

109- ألحّي على النفوس أن تثق بلجة رحمتي التي لا تسبر، لأنني أريد خلاصها كلها

1160- لمّا سألت الرب، مرة، كيف يسمح بهذه الخطايا والجرائم العديدة دون ان يعاقبها، اجابني: «أمامي الابدية لأعاقبها. لذا أعطي وقتًا أطول للرحمة [من اجل الخطاة]. ولكن الويل لهم ان لم يتعرفوا الى وقت زيارتي. يا ابنتي، أمينة سرّ رحمتي، إن واجبك هو ليس فقط أن تكتبي عن الرحمة، بل ان تعلنيها وان تطلبي النِعم من اجلهم حتى يتمكّنوا هم ايضًا من تمجيد رحمتي».

1161- بدأت نفسي اليوم تقاسي نزاعًا شديدًا جعلني اشتكي الى الرب: «يا يسوع، كيف يمكنك ان تتركني وحدي؟ لا أستطيع ان اتقدم وحدي ولو خطوة واحدة. لقد أبعدتَ عنّي معرّفي، وها انت تختبىء عني ايضًا. انت تعلم يا يسوع، أنني لا اعرف شيئًا وحدي، ولكن كيف أضيّع نعمك. دبّر الامر يا يسوع لعودة الأب أندراز». غير ان القلق لم يفارقني.

1162- لقد خطر لي أن اذهب والتقي احد الكهنة وأعلمه عن قلقي وعن عدّة الهامات علّه يجد حلًا لذلك واطلعتُ الأمّ الرئيسة [إيرين] على هذه الفكرة، أجابتني: «أنا أعلم، يا اختي، أنك تمرّين في اوقات صعبة، ولكن حاليًا لا أعرف أي كاهن يستطيع حقًا تلبية طلبك. على كل حال سيعود الأب أندراز قريبًا، وبانتظار ذلك أخبري يسوع عن كل شيء».

1163- لما ذهبت للتحدث الى يسوع قليلًا سمعتُ هذا الصوت في نفسي: «يا… لن أعطيك النعمة لتكشفي أمرك الى اي شخص آخر حتى ولو كنتِ في غاية الصراحة والوضوح، لن أعطي ذلك الكاهن النعمة ليفهمك. أريد الآن تثبتي وحدك متحليّة بالصبر. يا ابنتي، لا أريد أن تخبري أي من كان عن النعم التي وهبتك إياها: لقد أوكلتك الى صديق قلبي وستزهر نفسك تحت إرشاداته». «سأعطه نورًا كافيًا كيف يتعرف الى حياتي في نفسك».

«يا ابنتي، لما كنتُ امام هيرودس، نلتُ لك نعمة، وهي أن تستطيعي الترفّع عن السخرية البشرية وتسيري بأمانة على خطواتي. حافظي على الصمت عندما لا يريدون أن يتعرفوا على الحقيقة، لأن بذلك تتكلمين بفصاحة أكثر طلاقة».

1165- «إعلمي هذا يا ابنتي: إذا سعيتِ نحو الكمال، تقدّسين نفوسًا عديدة وإن لم تسعي نحو القداسة، ستبقى، للسبب ذاته، نفوس عديدة غير كاملة. إعلمي ان كمالها يتعلّق بكمالك، وإن المسؤولية الكبرى لهذه النفوس تقع عليك».

1166- ثم قال لي: «لا تخافي، يا ابنتي، إنما ثابري فقط في الأمانة لنعمتي».

1167- لقد اعترف لي الشيطان أنني موضوع غضبه. قال لي: «إن ألوف النفوس تؤذينني أقلّ منك عندما تتحدّثين عن الرحمة العظمى لله الكلّي القدرة. إن كبار الخطأة يسترجعون ثقتهم ويعودون الى الله فأخسر كل شيء. ولكن ما هو ادهى أنك تضطهدينني شخصيًا مع الرحمة غير المدركة لله الكلي المقدرة». دوّنت غضب الشيطان الصاعق ضد رحمة الله فلا يريد أن يُعرف أن الله هو صالح.

29 حزيران 1937

1168- وقت وجبة الفطور حيّا اليوم الأب أندراز كل اعضاء الجمعية هاتفيًا، لقد عاد [من روما] وأتى اليوم بعد الظهر ليراني، تجمّعَت في المرَبّع [ملعب البنات تجاه الملعب الرئيسي] كلّ من الراهبات المكرّسات، والمبتدئات وفريقَي الطالبات ينتظرن الكاهن العزيز. واستقبله الاولاد بالترانيم والأشعار وطلبنا اليه عندئذ أن يحدّثنا عن روما وعن الأشياء الجميلة العديدة هناك. تحدّث طيلة ساعتين تقريبًا لذا لم يبق لي وقت للتحدث اليه على حدة.

1169- دخلت نفسي اليوم في إتحاد وثيق مع الرب. وأفهمني كيف يجب عليّ دائمًا أن أستسلم لإرادته المقدسة: «أستطيع أن أعطيك في لحظة أكثر مما تستطيعين أن تتمنّي».

30 حزيران 1937

1170-  قال لي الرب اليوم: «أردت مرات عديدة أن أرفع هذه الجمعية، ولكن لم أستطع الى ذلك سبيلًا بسبب كبريائها. إعلمي، يا ابنتي، أنني لا أهب نِعمي للنفوس المتكبّرة، حتى وإنني آخذ منهنّ النِعَم التي سبق ووهبتها لهنّ».

1171- عقدت اليوم اتفاقًا مع الاخت يولنتا Jolanta: ستصلّي من أجلي وأنا سأصلّي من اجل الفتيات في صفّها في ليلنيوس. أما بالنسبة لي إنني أصلّي دائمًا على نيّة عملنا. ولكن قرّرتُ أن أصلّي، طيلة شهرين، من أجل الصف في فيلنيوس. وستصلّي الأخت يولنتا، ثلاث مرات يوميًا السلام الملائكي للكلمة المتجسّد على نيّتي كي أستفيد من نعمة الله. وهكذا زادت صداقتنا عمقًا.

أول 1937 شهر تموز.

1172- أعطاني الرب اليوم، وقت التبشير الملائكي، معرفة حبّه المدرك للبشر. لقد رَفعنا إلى ألوهيته. أما الدوافع الوحيدة فهي الحبّ والرحمة غير المدركة. رغم أنك تعلّمنا أسرارك من خلال الملاك، فأنت تنفّذها بذاتك.

1173- رغم السلام العميق الذي أتنعّم به، ما زلت أجاهد دون انقطاع، فهي معركة ضارية للسير بأمانة في سبيلي، أي السبيل في كل زمان، لاسيما الأمانة لإلهاماتي الداخلية كي أكون آلة طيّعة بين أيدي الرب لتنفيذ عمل رحمته التي لا تدرك.

4 تموز 1937
الأحد الأول من الشهر.
الرياضة الشهرية.

1174- هذا المساء تحضّرت بعناية كبرى وصلّيت طويلًا الى الروح القدس ليتنازل ويهبني نوره ويأخذني تحت رعايته. [صلّيتُ] أيضًا للسيدة العذراء، ولملاكي الحارس وللقدّيسين شفعائنا.

ثمرة التأمل.

1175- مهما يصنع يسوع فهو يصنعه جيدًا. لقد ثابر في العمل الجيد. إن أسلوبه هو مليء بالصلاح والرحمة. ورافقت الرأفة خطواته. وأظهر الى أعدائه الجودة واللطف والتفهم والى المحتاجين العون والعزاء.

لقد قررتُ أن أعكس فيّ بأمانة ملامح يسوع هذه طيلة هذا الشهر ولو كلّفني ذلك غالبًا.

1176- وقت العبادة سمعتُ صوتًا في نفسي: «إن جهودك هذه، يا ابنتي، تروق لي فهي بهجة قلبي. إنني أرى كل حركة من حركات قلبك التي تعبديني بها».

فحص ضمير خاص.

1176- متابعة السير نفسه: أن أتّحد بيسوع الرحوم. وبسبب آلامه المحزنة، سأتوسّل الى الآب السماوي من أجل العالم كلّه. ناحيةً من النظام : الحفاظ التامّ على الصمت.

يجب ان استقصي اعماق كياني وأشكر لله كل شيء، متّحدة بيسوع. معه وبه ومن خلاله أعطي المجد لله.

1178- يا سيدي وحبّي أشكرك على هذا اليوم الذي أتحت لي فيه أن أستقي غنى نعمك من ينبوع رحمتك غير المحدودة. يا يسوع، ليس فقط اليوم، بل في كل لحظة. سأستقي من رحمتك غير المحدودة يا يسوع، ليس فقط اليوم، بل في كل لحظة. سأستقي رحمتك غير المحدودة كل شيء قد تريده نفسي وجسدي معًا.

7 تموز 1937

1179- في أوقات الشكّ، أي عندما تضعف النفس فلنطلب الى يسوع ان يتصرّف هو. ورغم انها تعرف ان عليها أن تتصرّف بعقل نعمة الله، غير أنه من الأفضل احيانًا ان تترك كل تحرّك لله.

15 تموز1937

1180- علمتُ مرة أنني سأُنقَل الى دير آخر. وكانت معرفتي تلك محض داخلية. سمعت في الوقت نفسه صوتًا في نفسي، «لا تخافي يا ابنتي، إن إرادتي هي أن تبقي هنا. إن التصاميم البشرية ستُخذَل، لأنها يجب أن تطابق ارادتي».

1181- لما كنت قريبة من الرب قال لي:  «لماذا تخافين من بدء العمل الذي امرتك بتنفيذه؟». أجبت:«لماذا تتركني وحدي في مثل هذه الاوقات يا يسوع ولماذا لا أشعر بوجودك؟». «يا ابنتي، حتى ولو لم تتحسّسيني في أعماق سر قلبك، فلا يمكنك أن تقولي اني لست حاضرا. أبعد عنك اليقين بحضوري ولا يجب أن يصبح ذلك عائقا في سبيل تحقيق ارادتي. أقوم بذلك لأكمل أهدافي التي لا تدرك والتي ستعرفينها فيما بعد.
تيقّني يا ابنتي، دون اي شك،  وللمرة الاخيرة أن الخطيئة المميتة وحدها تبعدني عن النفس».

1182- قال لي الرب اليوم: «يا ابنتي يا سبب فرحتي وبهجتي، لا شيء يوقفني من أن أهبك نعمي. ان حقارتك لا تعيق رحمتي. دوّني يا ابنتي: ان حق النفس برحمتي يقوى بقدر ما تزداد حقارتها. ألحّي على النفوس أن تثق بلجة رحمتي التي لا تسبر، لأنني أريد خلاصها كلها. لقد تفجّر على الصليب بالحربة، ينبوع الرحمة غزيراً لكل النفوس ولم استثني احدا».

1183- يا يسوع أريد أن أعيش حاليًا وكأنه اليوم الأخير من حياتي. أريد أن أستعمل بدقة كل برهة لمجد الله الأعظم وأن أستفيد من كل مناسبة لإنارة النفوس. أريد أن أنظر إلى كل شيء من زاوية تشير أن لا شيء يحدث دون ارادة الله. يا إله الرحمة غير المدركة، ضمّ إليك العالم كلّه وأغدق ذاتك علينا من خلال قلب يسوع الرحوم.

في مناسبة سابقة.

1184- رأيت عند المساء الرب يسوع فوق الصليب ويتدفّق من يديه ورجليه وجنبه الدم الأقدس. وقال لي بعد حين: «كل هذه هو لخلاص النفوس. خذي جيدًا يا ابنتي بعين الإعتبار ما تصنعين لخلاصها». أجبت: «يا يسوع لمّا أنظر الى آلامك، أرى أنني لا أصنع شيئًا لخلاص النفوس». فقال لي الرب: «إعلمي، يا ابنتي أن استشهادك الصامت يومًا بعد يوم، بخضوع تام لإرادتي، يقود العديد من النفوس الى السماء. وعندما يبدو لك أن ألمك يفوق قوّتك، تأمّلي في جروحاتي فتترفّعين عن استهزاء البشر وأحكامهم. إن التأمّل بآلامي يساعدك لتترفّعي عن كلّ هذه الأمور». فأدركت العديد من الأمور التي لم أستطع فهمها من قبل.

9 تموز 1937

1185- زارتني هذا المساء إحدى الراهبات المتوفيّات وطلبت إليّ أن أصوم يومًا واحدًا وأن اقدّم تماريني [الروحية] في ذاك اليوم من اجلها. فأجبتها انني سأتمم طلبها.

1186- منذ الصباح الباكر التالي قدّمت كل شيء على نيّتها. وقت القدّاس اختبرتُ قليلًا شيئًا من عذاباتها. وشعرتُ بجوع شديد الى الله حتى بدا لي انني اموت توقًا للاتحاد به. دام ذاك وقتًا قصيرًا إنما أدركتُ كيف يكون تضوُّر النفوس المطهريّة.

1187- فورًا بعد القداس طلبتُ الى الأم الرئيسة السماح لي بالصوم ولكن لم أنله بسبب مرضي. لما دخلتُ الكنيسة سمعتُ هذه الكلمات: «لو صمتِ، يا أختي، لمّا تخلّصتُ من العذاب قبل المساء، ولكن بفضل طاعتك التي منعتكِ من الصوم، تخلّصتُ منه فورًا للطاعة قوّة هائلة». بعد هذه الكلمات سمعت ايضًا «كافأك الله».

1188- أصلّي غالبًا من اجل بولونيا ولكن أرى أن الله هو مستاء منها بسبب نكرانها للجميل. لقد سخّرتُ كلّ قوى نفسي لأحميها. أذكّر الله دائمًا بوعود رحمته. لمّا أراه غاضبًا، أرمي بنفسي بكل ثقة في لجّة رحمته، وأُغرِق فيها كل بولونيا، فلا يستطيع حينئذ أن يستعمل عدالته. كم كلّفتني يا وطني! لا يمرّ يوم دون أن أصلّي من اجلك.

(عبارة من مار منصور دي بول: «يضع الرب دائمًا يده في العمل حيث يُبعد كل الوسائل البشرية ويأمرنا بأن نقوم بمهمّات تفوق قوّتنا».

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق