الدفتر الرابع

116- ديون العالم المتوجبة لي هي ضخمة. ويمكن أن تدفعها النفوس الطاهرة بتضحياتها

+ (48) ي.م.ي

1304- أحدّقُ بتوقٍ إلى السماء المضيئة بالنجوم
في ازرقاق الآفاق الشاسعة.
هناك ينتفض القلب ليجدَكَ يا الله.
ويتحرَّقُ للتحرر من رباطات الجسد.
بتوق كبير أحدّق بك يا وطني.
متى ينتهي منفاي هذا؟
هذا هو نداء عروستك يا يسوع،
التي تتحمّل نزاع الموت عطشاً إليك.
بتوقٍ أحدِّقُ في آثار أقدام القديسين،
الذين اجتازوا هذه الصحراء في طريقهم إلى الوطن الأم
قائلين لي: تمهّلي، يا أختي، قريباً ستتحطم القيود.
غير أنّ نفسي الهائمة لا تسمع هذه الكلمات.
فتتحرّق باضطرام إلى ربّها وإلهها.
ولا تفهم لغة البشر،
لأنها مغرمة بالله وحده.
إنّ نفسي الهائمة، جريحة الحبّ،
تشقّ طريقها بقوة من خلال الخلائق
فتتحّد بالأبدية اللامتناهية
مع ربي الذي خطبه قلبي.
إسمح لنفسي الهائمة يا الله،
أن تغرق في الجوهر الإلهي الثالوث.
حقّق رغباتي أتوسل إليك بتواضع، وبقلب يطفح بنار الحب.

1305- جاءت اليوم إلى المدخل إحدى الفتيات وطلبتْ أن تُقبَل كواحدة من طالباتنا. غير أنّها رُفِضَتْ. كانت بحاجة ماسّة إلى بيتنا. لمّا كنتُ أتحدّثُ معها تجدَّدَتْ فيَّ آلامُ المسيح. ولمّا غادرَتْ، أخذتُ على عاتقي أن أقوم بأصعب الإماتات. وفي المرة القادمة لن أترك مثل هذه النفس تبتعد. تعذّبتُ كثيراً من أجلها لمدة ثلاثة أيام. وكم تأسَّفتُ لضيق مكاننا الذي لا يستوعب أكثر عددٍ من الراهبات. يا يسوع أنت تعلم كم أحزن لكل نعجة تائهة.

1306- + أيها التواضع، يا زهرة عذبة، إنني ارى كم من النفوس تفتقر إليك. أَلَعَلَّ ذلك بسبب حبّي لك الفائق وصعوبة الوصول إليك؟. نعم! إنه السببان معاً. وإن الله نفسه يرتضي كثيراً به. إن أبواب سدود السماء تفتح للنفس المتواضعة، ويتدفّق عليها بحر من النعم. كم هي جميلة النفس المتواضعة. تصعد من قلبها ، كما من مبخرة، عطور طيبة ومتنوّعة، فَتَشُقُّ السماء لتبلغ إلى الله نفسه، مالئة فرحاً قلبه الكليّ قدسه. لا يرفض الله شيئاً لمثل هذه النفس،. فهي في غاية المقدرة فتؤثّر على مصير كل العالم. يرفع الله مثل هذه النفس إلى عرشه بالذات وبقدر ما تتواضع، بقدر ما يتنازل نحوها، يلاحقها بنعمه ويرافقها في كل لحظة بقدرته السماوية. إنّ مثل هذه النفس هي أعمق ما تكون اتحاداً بالله. يا أيها التواضع! تجذّر عميقاً في كل كياني. أيتها العذراء الكليّة الطهارة والكليّة التواضع أيضاً، ساعديني لأصل إلى تواضعٍ عميق. أدرك الآن لماذا نجد قليلاً من القديسين، لأن عدد النفوس المتواضعة هو ضئيل.

1307- أيها الحب السرمديّ، يا عمق الرحمة، أيها الثالوث القدّوس، إنّما إله واحد، يطفح قلبه حبًّا للجميع، وكأبٍ صالحٍ لا يزدري أحداً. يا حبّ الله، الينبوع الحي، تدفّق علينا، نحن خليقتك غير المتسأهلة. لا تدع حقارتنا توقف سيول حبّك، لأنه، بالحقيقة، ليس لرحمتك حدود.

1308- يا يسوع، أرى أنّ اهتمامك بي قد تضاءل: «نعم يا ابنتي، تركتُ مرشدَكِ الروحي [الأب أندراز] يحلّ مكاني، فهو يهتم بكِ وفقاً لإرادتي. احترمي كل كلمة منه كأنّها كلمتي، فهو البُرقُع الذي أختبِئُ وراءه، فأنا ومرشدك واحد. كلماته هي كلماتي».

1309- لمّا أقوم بدرب الصليب أتأثّرُ بعمق في المرحلة الثانية عشرة. أتأمّلُ هنا برحمة الله القدير التي تمرُّ من خلال قلب يسوع. وأضمّ إلى جرح قلبه، كل مرّة أقوم بدرب الصليب، كلّ البشر المساكين… وكلّ الذين أحبّهم. من نبع الرحمة هذا، ينبثقُ شعاعان؛ أيّ الماء والدم، وباتساع رحمتهما يفيضان على العالم كله.

1310- عندما نكون مرضى أو ضعفاء، يجب أن نجهد دون انقطاع لنضاهي ما يقوم به الآخرون، كأمرٍ واقع. غير أننا لا نستطيع دائماً أن نضاهي هذا الامر الواقع. على كلِّ حال، أشكرك يا يسوع على كل شيء لأنك ستكافئ لا الأعمال الكبيرة، بل الجهد الذي نبذله لنقوم بهذه الأعمال. فما نتمّمه بدافع الحبّ ليس بقليل، يا يسوع، لأنّ عينيك تسهر على كل شيء. لا أعلم لماذا أشعر بالضعف عند الصباح. عليّ أن أجمع كلّ قوّتي لأغادر فراشي، وأحياناً عليّ أن أقوم بعمل بطوليّ. وأن التفكير بالمناولة المقدّسة يعيدُ لي شيئاً من القوّة. وهكذا يبدأ النهار بمعركة وينتهي بمعركة. ولمّا أذهب للاستراحة أشعر كأنني جندي عائد من ساحة القتال. أنت وحدك رب، يا سيّدي، تعلَمُ ماذا يخبِّئ لي هذا النهار.

1311- تأمّل. وقت التأمُّل، كانت إحدى الراهبات الساجدة بالقرب منّي، تسعل بشدّة وتَتِفُّ البلغم في حنجرتها، دون انقطاع أحياناً. تهيَّأَ لي أن أبدّل مكاني وقت التأمل لأن القدّاس كان قد انتهى. ولكن فكَّرتُ، إن اخترتُ مكاناً آخر، ستلاحظ الراهبة تنقُّلي وقد أجرح شعورها بالابتعاد عنها. لذا قررتُ أن أتابع الصلاة في مكاني الحالي وأن أقدّم لله فعل صبر. قبيل نهاية التأمّل، غمرتْ نفسي تعزية إلهية بقدر ما يستطع قلبي تحمّله. وأفهمني الرب أنني لو كنتُ قد ابتعدتُ عن الراهبة لأبعدتُ أيضاً عنّي النِّعَم التي فاضت في نفسي.

1312- جاء يسوع اليوم إلى المدخل الرئيسي مختبئاً بشخص رجل فقير. هذا الرجل الشاب كان نحيلاً عاريَ القدمين، مكشوف الرأس وعليه ثياب ممزّقة ويرتجف برداً، لأنّ الطقس كان بارداً وممطراً. سألني عن طعام ساخن للأكل. لذا ذهبتُ إلى المطبخ، فلم أجد له شيئا هناك. وبعد أن فتَّشتُ قليلاً، توقَّفتُ ووجدتُ بعض الشورباء، فسخَّنتُها ومزجتُ فيها بعض الخبز وأعطيتُها للشاب الفقير، فأكلها. وبعد أن أخذتُ منه الصحن، جعلني أدركُ أنه رب السماء والأرض. ولمّا رأيتُهُ كما هو، اختفى من أمام نظري. لمّا رجعتُ وفكرتُ بما حدث على المدخل، سمعتُ هذه الكلمات في داخلي: «يا ابنتي، إنّ دعاءات الفقراء الذين يباركونني عندما يغادرون المدخل، بَلَغَتْ إلى أذني. وأنّ رأفتك، في حدود الطاعة، راقت لي. لذا نزلتُ من عرشي لأتذوّق طعم الرحمة».

1313- يا يسوع خاصّتي، لقد اتّضح لي الآن كل شيء، وأدركتُ معنى كلّ ما حدث. لقد شعرتُ نوعاً ما وتساءلتُ من أي نوع هو هذا الرجل الفقير الذي يشعّ بساطة. ومنذ ذلك الحين، تحرّك في قلبي حبّ أكثر نقاءً نحو الفقراء والمحتاجين. آه! كم أنا سعيدة في هذه المهمّة التي أوكلتها إليّ رئيساتي. وأدركتُ أنّ للرحمة أوجه عديدة، يُمكن أن نصنع دائماً الخير وفي كل مكان وزمان، وأنّ الحب المتوقّد نحو الله يرى حوله مناسبات متكرّرة للمساعدة من خلال الأعمال والكلمة والصلاة. إنني أفهمُ الآن معنى الكلمات التي قلتَها لي يا رب، منذ وقت قصير.

1314-  +آه! كم يجب أن أبذل من جهود جبّارة لأُحسِنَ إتمام واجباتي عندما تكون صحتي هزيلة. إنك تعرف ذلك وحدك أيها المسيح.

1315- في أوقات الحزن الداخلي، لا أفقد طمأنينتي لأنني أعرف أن الله لا يهمِل أبداً نفساً ما، إلاّ، ربما عندما تحطّم هذه النفس رباط الحبّ بعدم أمانتها. غير أنّ الخلائق كلها هي مرتبطة بالله وستستمرُّ في الوجود بفضل قدرته السامية. فالبعض هم تحت نظام الحب وغيرهم تحت نظام العدالة. ويعود إلينا أن نختار تحت أي نظام  نريد أن نعيش، لأنه لا يُحرَم أحدٌ من مساعده النعمة الوافية. فلا أجزعُ أبداً من عزلتي الظاهرة. أتعمَّقُ في فحص ذاتي لأكتشف إذا كان ذلك عائداً إلى غلطة صدرَتْ عنّي وإلّا، فليتبارك [الرب].

1316- أول تشرين 1937. «يا ابنتي أحتاج إلى تضحيّاتٍ متمَّمَة بحبٍّ، لأنّها وحدها تهمّني. وبالواقع، إنّ ديون العالم المتوجبة لي هي ضخمة. ويمكن أن تدفعها النفوس الطاهرة بتضحياتها، ممارسة الرحمة بالروح».

1317- أفهمُ كلماتِكَ، يا سيّد، وسعة الرحمة التي تشع في نفسي. يسوع: «إنّني أعلمُ يا ابنتي، أنّكِ تفهمينها وأنّك تصنعين كلّ ما هو باستطاعتك. ولكن دوّني ذلك من أجل نفوس عديدة التي تضطرب غالبا، لأن ليس لها الوسائل المادّية لتقوم بعمل الرحمة. غير أنّ الرحمة الروحية التي لا تتطلّب إذناً ولا مستودعاً هي أكثر استئهالاً للمكافأة وهي على متناول كل إنسان. إنّ من لا يمارس أعمال الرحمة بشكل أو بآخر لا ينال رحمتي يوم الحكم. آه! لو كانت النفوس تُدرِكُ فقط كيف تدّخر لها الكنز الأبديّ، لما كانت تخضع للحكم، بل تستدرك الحكم بقيامها بأعمال الرحمة».

1318- 10 تشرين الأول 1937. يا يسوع خاصّتي، أقدِّمُ لك، عربون شكري لنعمِكَ العديدة، جسدي ونفسي وعقلي وإرادتي وعواطفي وقلبي. لقد أعطيتُكَ ذاتي بكاملها من خلال النذورات. ولم يعُدْ لديّ شيء أقدّمه لك، قال لي يسوع: «يا ابنتي، لم تقدّمي ما هو بالواقع لك». تعمَّقتُ في فحص ذاتي فوجدتُ أنني أحبّ الله بكلّ قدرات نفسي ولا أستطيع أن أرى ما لم أعطه بعد للرب. فسألتُ: «قل لي ماذا تعني وسأعطيك إياه فوراً بقلب سخيًّ». قال لي يسوع بلطف: «يا ابنتي، أعطني حقارتك لأنّها تخصُّكِ وحدَكِ». للوقت أضاء نفسي شعاعٌ من نور، فرأيتُ كل هوّة حقارتي. وللحال سكنتُ بقرب قلب يسوع الأقدس، واثقة أنه حتى ولو كانت كل خطايا الهالكين تُثقِل على ضميري، لَما شَكَكْتُ برحمة الله. ولكن بقلبٍ مفتّت كالغبار، قد أرمي بنفسي في لُجَّة رحمتك، وأنا واثقة يا يسوع أنّك لن تنبذني، إنما تحلّني من خطاياي على يد ممثّلك.

1320- «في الساعة الثالثة توسّلي إلى رحمتي من أجل الخطأة واستغرقي، ولو قليلاً، في آلامي ولا سيمّا في عزلتي حين كنتُ أنازع. تلك هي ساعة الرحمة الكبرى للعالم كله. سأسمحُ لكِ أن تَلِجي إلى حزني المميت. لن أرفض شيئا في تلك الساعة، للنفس التي تتقدّم إليّ بطلبٍ بحق آلامي …».

1320- + ي.م.ي.
سلامٌ يا قلب يسوع الكلي الرحمة.
يا ينبوع كلّ النِّعّم الحيّ.
ملجنا وحمانا الوحيد
فيك أجدُ نور الرجاء.
سلامٌ يا قلب الله الكليّ الرأفة.
يا ينبوع الحب الحي الذي لا يُسْبَر
الذي تتدفّق منه الحياة للإنسان الخاطئ،
أنت يا ينبوع كلّ عذوبة.
سلامٌ يا جرح قلب يسوع الأقدس المفتوح
الذي تنبثقُ منه أشعَّة الرحمة.
والذي نستقي منه الحياة،
بإناء الثقة وحدها.
سلامٌ يا جودة الله التي لا تُدرَك
ولا تُقاس ولا تُسبر أبداً
مليء بالحب والرحمة وأنت أبداً قدوس
وكأم حنون تنحني دائماً فوقنا.
سلامٌ يا عرش الرحمة، يا حمل الله
الذي ضحّى بحياته ذبيحة من أجلي،
وأمامه تتواضع نفسي كل يوم
فينعشها إيمان عميق.

نهاية الدفتر الرابع

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق