الدفتر الأول

64- فوستينا تشاهد آلام المسيح وهو في السجن وصورة الرحمة الإلهية تُعرض لأول مرة

الصوم الكبير

408- لمّا استغرق في آلام السيد، أرى الرب يسوع غالباً وقت العبادة على هذا الشكل: بعد الجلد عرَّى الجلادون من ثيابه التي كان قد لصقت بجراحاته، وبينما هم يسلخونها عنه، تفتّحت جراحاته من جديد ثم رموا ثوباً بالياً ووسخاً قرمزي اللون على جراحات الرب الطريّة. يكاد الثوب من بعض الأمكنة يصل إلى كاحليه. أجلسوه على مقعد خشبي ثم ضفروا أكليلاً من الشوك ووضعوا على رأسه المقدس. أمسكوه قصبة بيده وسخروا منه منحنين أمامه كما أمام الملك. بصق البعض في وجهه بينما أخذ غيرهم القصبة من يده وضربوه بها على رأسه. آلمه آخرون بالصفق وغطى آخرون وجهه وضربوه بقبضة يدهم. تحمّل يسوع كل ذلك بوداعة. من يستطيع أن يدركه ويدرك آلامه؟ أغمض يسوع عينيه. أشعر بما حلّ أنذاك بقلب يسوع الكليّ العذوبة. فلتتأمل كل نفس بما تحمّله يسوع من آلام في ذلك الوقت. كانوا يتبارون في أهانة الربّ. تساءلت: من أين تأتي تلك الضغينة عند الإنسان؟ إن سببها هو الخطيئة. إلتقى الحبّ والخطيئة.

409- بينما كنت أحضر القدّاس في إحدى الكنائس مع راهبة أخرى، شعرت بقدرة وعظمة الله. شعرت أن الكنيسة تعبق بوجود الله. لقد غمرتني عظمته، ورغم خوفي ملأني سلاماً وفرحاً. أدركتُ ان لا شيء يستطيع أن يعارض إرادته. آه! لو كانت تلك النفوس تدري من يعيش في كنائسنا لما وجدنا في تلك الأمكنة المقدّسة الإهانات المتعددة وقلة الاحترام المتزايدة.

410- أيها الحبّ الأزلي غير المدرك، أطلب إليك نعمة واحدة، أن تُنير عقلي بنور من عُلوّ. أعطني ان أعرف وأقدّر كل الأشياء حسب قيمتها . أشعر بأكبر فرح في نفسي عندما أتوصّل إلى معرفة الحقيقة.

411- 21 آذار 1935 غالباً ما أرى المسيح في نفسي وقت القداس. أشعر بحضوره الذي يتسرّب إلى كياني. أحسّ بنظره الإلهي وأتّمم دائماً ما هو أكثر أرضاءاّ له. أحبّ الله حتى الذهول وأشعر أنّه يحبّني. في تلك الأوقات عندما التقي بالله في عمق ذاتي أشعر بفرح لا أعرف كيف أعبّر عنه. تلك هي أوقات قصيرة لأن النفس لا تستطيع ان تتحمّلها مدّة أطول وإلا أصبح إنقسام النفس عن الجسم أمر محتماً. رغم ان هذه الأوقات هي قصيرة جداً فإن قوّتها المتحوّلة إلى النفس تدوم فيها إلى وقت طويل. دون أي جهد اختبر الخشوع العميق الذي يغمرني دون ان ينقص، إذا ما تحدّثت إلى الناس، ودون أن يعترض القيام بواجباتي. أشعر بحضور الله الدائم دون ان تُجهد نفسي ذاتها، أعرف أنني متّحدة به عن كثب كنقطة ماء متّحدة في البحر اللامتناهية.
يوم الخميس الماضي وقبيل نهاية صلواتي شعرتُ بتلك النعمة ودامت على غير عادة وقتاً طويلاً. كان ذلك وقت القدّاس ففكرت أنني أكاد أموت فرحاً. في مثل تلك الأوقات تتعمّق معرفتي بالله وبصفاته كما تزداد معرفتي بذاتي وبحقارتي. أذهل لتنازل الرب الكبير إلى مثل حقارة نفس كهذه. بعد الذبيحة الإلهية شعرتُ أنني مستغرقة كلياً في الله وأنا على وعي من كل نظراته في أعماق قلبي.قرابة الظهيرة دهلت الكنيسة لوقت قصير. ومرّة ثانية دوت قوّة نعمة في قلبي، وبما أنني لم انقطع عن حالة التأمل، أخذ إبليس إناء زهر ورمى به في الأرض بكل قوّته غاضباً. رأيت كل ثورته وحسده.

412- لم يكن أحد في الكنيسة، فوقفت ولملمت قطع الإناء. ووضعت الزهر فيه. حاولت أن أرتّب كل شيء قبل أن يدخل أحدٌ فلم أفلح، لأن الأم الرئيسة[بورجيا] جاءت في هذا الوقت مع الأخت القندلفت وعدد من الراهبات.
تعجّبت الأم الرئيسة من رؤيتي ألمس شيئاً على المذبح تسبّب بسقوط إناء الزهر. أظهرتْ الأخت القندلفت استياءها وصنعتُ جهدي أن لا أعطي إيضاحاً أو أعتذر. لكن عند المساء كنت خائرة القوة ولم أستطيع القيام بساعة سجود، فطلبت إلى الأم الرئيسة أن تسمح لي بالذهاب إلى النوم قبل الوقت المحدّد. فما إن استلقيت حتى غفوت ولكن حوالي الساعة الحادية عشر هزّ أبليس تختي. إستيقظت فجأة وبدأت الصلاة بهدوء لملاكي الحارس. فرأيت النفوس التي تكفّر عن خطاياها في المطهر وكأنها أشباح، ورأيت بينها عدّة شياطين. حاول إزعاجي آخذاً شكل هرّة، أخذ يرمي بذاته على تختي وعلى أقدامي وكان ثقيلاً جداً كأنه [يزن] طناً. تابعت تلاوة السبحة وقتاً طويلاً. وعند الفجر اختفت تلك الأشباح واستطعت أن أنام قليلاً، لمّا دخلت الكنيسة صباحاً سمعت هذا الصوت في نفسي: «أنت متّحدة بي. لا تخافي شيئاً لكن إعلمي يا أبنتي أن الشيطان يكرهك. يكره كل نفس ولكنه يحرقه كره خاصّ عليك لأنك انتزعت عدداً من النفوس من سلطانه».

خميس الأسرار 18 نيسان

413- سمعت هذا الصباح هذه الكلمات: «من اليوم وحتى[الاحتفال] بعيد القيامة، لن تشعري بحضوري، وستمتلىء نفسك بشوق عميق». ولمّا اقترب وقت المناولة رأيت وجه يسوع المتألم في كل برشانه [موجودة] في الحِق.
ومذ ذالك الحين شعرتُ بمزيد من التلهّف في قلبي.

414- يوم الجمعة العظيمة في الساعة الثالثة بعد الظهر، لمّا دخلت الكنيسة، سمعتُ هذه الكلمات «أتمنى أن تُكرّم الصورة علناً». ثم رأيت الرب يسوع منازعاً على الصليب في غمرة الآلام وخرج من ذات قلبه ذات الشعاعين اللذين هما في الصورة.

415- يوم السبت، في صلاة المساء رأيت الرب يسوع مشعاً كالشمس، في رداء متألق وقال لي: «ليمتلىء قلبك فرحاً». فغمرني فرح كبير وداخلني حضور الله، الذي هو للنفس كنز لا يوصف.

416- لما عُرضت الصورة رأيت فجأة يسوع يحرّك يده بشكل علامة صليب. وفِي مساء ذلك اليوم، قبيل ذهابي إلى النوم، رأيت الصورة تجول فوق المدينة التي غطّاها ما يشبه الزرد والشِباك. ولمّا مرّ يسوع أجتاز عبر الشباك.
وضع أخيراً إشارة صليب كبيرة ثم توارى. ورأيت مجموعة أشباح شريرة تطوّقني وتتحرّق حقداً ضدّي. انطلقت من شفتيها تهديدات متنوعة ولكن دون ان تؤذيني. وبعد قليل إختفت تلك الرؤية ولكن لم أستطيع أن أنام لوقت طويل.

417- 26 نيسان. لمّا وُجدت يوم الجمعة في أوسترا بارما Ostra Brama لأحضر الاحتفال الذي عُرِضَت خلاله الصورة، إستمعت إلى عظة ألقاها معرّفي الأب سوبوتشكو. بموضوع الرحمة الالهية، كانت هذه العظة المطلب الأول ليسوع منذ وقت طويل. ولمّا بدأ الحديث عن عظمة رحمة الرب، انتعشت الصورة وخرَقت شعاعاتها قلب الجماعة هناك، على درجات متفاوتة. فمنهم من تقبّل أكثر من غيرهم. وملأ فرح كبير نفسي لمشاهدة نعمة الله.
سمعت حينئذ هذه الكلمات: «أنتِ شاهدة لرحمتي. ستقفين أمام عرشي للأبد كشاهدة حيّة لرحمتي».

418- وبعد العظة رجعت إلى البيت دون أن أنتظر نهاية الخدمة، لأنني كنت على عجلة. بعد خطوات قليلة قطع طريقي جمهور من الشياطين وهدّدوني بتعذيبات مخيفة وسمعت أصوات تردّد: «لقد انتزعت منّا كل شيء سعينا إليه منذ سنين عديدة». ولمّا سألتهم: «من أين أتيتم بهذا العدد الكبير؟» أجابت الأشباح الشريرة: «من قلوب البشر، كُفي عن تعذيبنا».

419- طلبت مساعدة ملاكي الحارس بسرعة لرؤية حقدهم ضدّي، وللحال بدا وجه ملاكي الحارس مشعّاً ساطعاً وقال لي: «لا تخافي، يا عروسة سيدي، لا تستطيع أن تؤذيك هذه الأرواح دون أرادته تعالى». توارت الأرواح فجأة ورافقني ملاكي الحارس الأمين، بشكل منظور حتى وصلت إلى بيتي. كان مظهره محتشماً وهادئاً، يسطع من جبينه لهيب نار. يا يسوع، أريد أن أكدّ وأرهق ذاتي وأتألم طيلة حياتي من أجل تلك اللحظة التي رأيت فيها مجدك، يا رب، كما رأيت فيها خيرُ النفوس.

يوم الأحد 28 نيسان 1935

420- أحد الحواريين أي عيد الرحمة الألهية، نهاية يوبيل الفداء. لمّا ذهبنا للاشتراك في الاحتفالات، رقص قلبي فرحاً لاقامة إحتفاليين متقاربين. طلبتُ إلى الله الرحمة لنفوس الخطأة. قبيل نهاية الخدمة، لمّا أخذ الكاهن القربان المقّدس ليبارك الشعب، رأيت الرب يسوع كما هو مصوّر في الرسم. بارك الرب وامتدّت الشعاعات فوق كل العالم. رأيت فجأة تألقاً فائقاً بشكل منزل بلّوري محاكاً من تموّجات لمّاعة، يستحيل على الخلائق والأرواح الأقتراب منها يقود إلى هذا المنزل البلوري ثلاثة أبواب. وفي الحال دخل يسوع من الباب الثاني، كما هو مصوّر في الرسم، إلى الوحدة، وحدة مثلثة، غير مدركة ولا متناهية، وسمعت هذا الصوت: «ينبثق هذا العيد من عمق أعماق رحمتي ويثبّت في الأعماق الشاسعة لمراحمي المُحبَّة. فكل من يُؤْمِن برحمتي ويثق بها، ينالها». فتضاعف فرحي لرحمة الله الواسعة ولجوده.

29 نيسان1935

421- في عشية يوم معرض الصورة، ذهبت مع الأم الرئيسة لزيارة معرٌفي الأب سوبوتشكو ولمّا دار الحديث حول الصورة، طلب المعرّف إلى إحدى الراهبات أن تهتم في بعض الأكاليل. أجابت الأم الرئيسة: «ستهتم بذلك الأخت فوستينا». أبتهجت لذلك ولمّا رجعنا إلى البيت، أسرعت في تحضير بعض الأغصان الخضراء. بمساعدة إحدى العاملات وإحدى الراهبات، ونقلتها إلى حيث الصورة. وفِي الساعة السابعة مساءً، كل شيء كان محضراً وكانت الصورة معلّقة في مكانها، ولكن رأتني بعض السيدات واقفة هناك وكأنني أزعج أكثر مما أساعد. وفِي اليوم التالي أبدين إلى الراهبات إعجابهنّ بالصورة وسألنهنّ عن معناها. [فكّرن] أن الراهبات يعرفن شيئاً عنها لا سيّما أنهنّ قد إشتركن في اليوم السابق في زينتها. وتعجّبت الراهبات من عدم معرفتهنّ شيئاً عنها، وأردت أن يرونها وفِي الحال ظَنَنَّ فيّ وقلنَ” لا شك ان الأخت فوستينا تعرف كل شيء عنها”.
ولما سألتني الراهبات سكتُّ، لأنه لم يكن باستطاعتي أن أقول الحقيقة. فزاد سكوتي حشريتهنّ. وأخذت حذري أن لا أكذب وأن لا أقول الحقيقة، لأنني لم أعطي الأذن [لذلك]. فأبدين حينئذ اشمئزازهنّ ووبّخنني علناً قائلات: «هل من المعقول أن يعرف الغرباء عن هذا الأمر ونحن لا نعرف شيئاً؟» وأُطلقت عليّ أحكام مختلفة، وتألمت طيلة ثلاثة أيام، غير أن قوّة خاصة تملّكت نفسي. كنتُ سعيدة أن أتألم من أجل الله ومن أجل الأنفس التي أغدق الله عليها نعمته طيلة الأيام الثلاثة. ونظراً إلى عدد النفوس التي نالت الرحمة الإلهية تلك الأيام، أعتبرت أن أقسى الالام والتعب هي كلا شيء حتى ولو دامت إلى نهاية العالم. بينما لا نهاية للعذابات التي نجت منها النفوس. وازداد فرحي لرؤية أناس آخرين يعودون إلى نبع السعادة، إلى حضن الرحمة الإلهية.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق