الدفتر الأول

6- (14-22) «نعم أقبلكِ، فأنتِ في قلبي» اختيار الرهبنة وبدء الحياة الرهبانية

14- لما جاءت الأمّ الرئيسة، الأمّ الرئيسة العامة مايكلا لتستقبلني قالت لي، بعد حديث قصير، أن أذهب الى ربّ البيت وأسأله إذا كان هو يقبلني. فهمت فوراً أنه عليّ أن أسأل ذلك من الرب يسوع. فذهبت، بفرح عظيم الى الكنيسة وسألت يسوع: «ربّ البيت، هل تقبلني؟» هكذا علّمتني إحدى الراهبات أن أضع سؤالي.

سمعت حالاً هذا الصوت: «نعم أقبلكِ، فأنتِ في قلبي». ولما عدت من الكنيسة، سارعت الأمّ الرئيسة بطرحها السؤال: «هل قبلك الربّ؟» فأجبت: «نعم». «إذا كان الربّ قبلك [قالت] فأنا أيضاً أقبلك».

15- وهكذا قُبلت. ولكن لأسباب عديدة، كان عليّ أن أبقى في العالم طيلة أكثر من سنة مع تلك السيدة الفاضلة [ألدونا ليبزيكوفا] غير أنني لم أعد الى بيتي الخاص.

في ذلك الوقت كان عليّ أن أجاهد ضد صعوبات عديدة ولكن الله كان محبّاً بنعمه. وبدأ يتملّكني توق متزايد نحو الله. وإن السيّدة، مع ما هي عليه من تقوى، لم تفهم سعادة الحياة الرهبانية، ومع طيبة قلبها راحت تُعدّ تصاميم أخرى لمستقبلي. غير أنني شعرت أن لا شيء يمكنه أن يملأ قلبي الكبير. وهكذا إتجهت نحو الله مع كل توق في نفسي.

16- في زمن ثمانيّة عيد جسد المسيح 25 تموز 1925 ملأ الله نفسي بنور داخلي زادني معرفة به، كليّ الصلاح وكليّ الجمال… وتوصلت الى أن أعرف كم هي كبيرة محبّة الله لي. أزلية هي محبّته لي. كان ذلك عند صلاة الغروب. بكلمات بسيطة فاضت من قلبي، قدّمت الى الله نذر العفّة الدائمة. ومذ ذلك الحين شعرتُ بمودّة حميمة أكثر عمقاً مع الله، عروسي. ومذ ذاك الحين حضّرت مكاناً صغيراً في قلبي حيث بقيت دائماً برفقة يسوع.

17- حان الوقت أخيراً ليفتح لي باب الدير. كان ذلك أول آب 1925 عند مساء ليلة [عيد] سيدة الملائكة. شعرت أنني في غاية السعادة وخيّل إليّ أنني دخلت حياة الجنّة. صلاة وحيدة انطلقت من قلبي هي صلاة الشكر.

18- لكن بعد ثلاثة أسابيع تيقّنتُ أن ليس هناك وقت كافٍ للصلاة، وراودت نفسي أمور عديدة تدفعني أن أدخل رهبنة أكثر تقيّداً. سيطرت هذه الفكرة على نفسي ولكن لم تكن هي إرادة الله. تلك الفكرة، أو بالأحرى تلك التجربة، قويت أكثر فأكثر الى حدّ قرّرت يوماً أن أخبر الأمّ الرئيسة عن قصد ذهابي ومغادرة [الدير] نهائيّاً. ولكن الله دبّر الأمر بشكل لم أستطع أن ألتقي بالأمّ الرئيسة [مايكل]. دخلت الى الكنيسة الصغيرة قبل ذهابي الى النوم وطلبت الى يسوع أن ينيرني في هذه القضيّة. ولم أشعر بشيء في نفسي سوى قلق غريب لم أفهمه. ورغم كل شيء قرّرت أن أقترب من الأمّ الرئيسة في الصباح التالي بعد القدّاس لأخبرها عن قصدي.

19- عدت الى غرفتي. كانت الراهبات قد نمن – طُفئت الأضواء. دخلت الغرفة وأنا مضطربة ومستاءة. ولم أدرِ كيف أتصرّف. إفترشت الأرض مطأطئة الرأس وبدأت صلاة حارّة مقرّرة أن أصل الى معرفة إرادة الله. كان الصمت سائداً في كل مكان وكأنّه بيت القربان. كل الراهبات نائمات كبرشانات بيضاء في حِقّ قربان يسوع. فمن غرفتي فقط استطاع الله أن يسمع أنين نفس. ولم أكن أعلم أنه لا تجوز الصلاة بعد التاسعة دون إذن.

بعد قليل ملأ نور ساطع غرفتي ورأيت على البرداية وجه يسوع الشديد الحزن. كانت على وجهه جروحات مفتوحة وكانت تتساقط على فراشي دمعات غزيرة. سألت يسوع دون أن أدرك معنى كل ذلك: «من أذاك هكذا يا يسوع؟» فأجابني يسوع: «أنت تسبّبين لي كل هذا الألم إذا غادرتِ الدير، لقد دعوتك الى هذا المكان، لا الى مكان آخر ولفد حضّرت لك نعماً وافرة». طلبت السماح من يسوع وغيّرت فوراً رأيي.

كان اليوم التالي يوم إعتراف، رويت كل ما حدث في نفسي فأجابني الكاهن المعرّف. إن إرادة الله هي واضحة في ذلك. عليّ أن أبقى في هذه الجمعية وأن لا أفكر في جمعية غيرها. منذ ذلك الحين صرتُ أشعر دائماً بالسعادة والفرح.

20- بعد ذلك بقليل، شعرتُ بمرض [إرهاق عام]. أرسلتني الأم الرئيسة العزيزة مع إثنتين من الأخوات لأرتاح في سكوليموف Slolimow قرب فارسو. في ذلك الوقت بالذات سألت الربّ: «على نيّة من يجب أن أصلّي أيضاً». قال لي يسوع أنه سيعلمني في المساء على نيّة من يجب أن أصلّي. [في المساء التالي] رأيت ملاكي الحارس الذي أمرني أن اتبعه. وصلت بعد حين إلى مكان غماميّ مليء بالنار يتعذّب فيه جمع غفير من النفوس المتألمة. قُدّمت الصلاة على نيّتهم الخاصة ولكن دون فائدة. نحن فقط نستطيع أن نمدّ لهم العون.

النار التي كانت تلتهمهم لم تصلْ إليّ أبدًا. لم يغادرني ملاكي الحارس لحظة. وسألت تلك النفوس ما هو عذابها الأكبر؟ أجابتني كلها بصوت واحد: «إن عذابها الأكبر هو تَوقها إلى الله». رأيت سيدتنا تزور نفوس المطهر، تدعوها النفوس “نجمة البحر”. حملت العذراء إليها المرطبات. أردت أن أطيل الحديث معها ولكن أمرني ملاكي الحارس بالمغاردة. خرَجنا من سجن العذاب هذا [سمعت صوتًا في داخلي] يقول «لا تريد رحمتي هذا، لكن ما توجبه العدالة». ومنذ ذلك الوقت صرت أكثر إتحادًا بالنفوس المعذّبة.

21- بعد انتهاء مدّة الطالبيّة [29 نيسان 1926] أرسلتني رئيساتي [على الأرجح الأم ليونارد Leonard والأم جين Jane] إلى دير الإبتداء في كراكوف. ساد قلبي فرح لا يوصف. كانت الأخت هنري تفارق الحياة لمّا وصلنا إلى دير الإبتداء. بعد أيام من مفارقتها الحياة جاءت إليّ [بالرّوح، بعد موتها] وأصرّت عليّ أن أذهب إلى الأم مديرة المبتدئات [الأخت مرغريت] وأقول لها أن تطلب إلى معرّفها الكاهن الأب رسبوند Respond أن يقدّم على نيّتها قداسًا وثلاث صلوات جماعيّة. قبلتُ في بادئ الأمر ولكن في اليوم التالي قرّرت أن أعدل عن الذهاب إلى الأم المديرة لأنني لم أكن متأكدة مما حصل، أهوَ حلم أم حقيقة. فلم أذهب إذًا.

وفي الليلة التالية تكرّر الشيء نفسه بوضوح أكثر. لم يعدْ لدي شكّ. غير أنني قرّرت في الصباح أن لا أخبر المديرة عن ذلك إلّا إذا صادَفْتها [الأخت هنري] في النهار. فجأة ركضت نحوها في الممرّ ووبختني على تباطئي، فملأ قلق شديد نفسي. ذهبت حينئذ بسرعة إلى الأم المديرة، وأخبرتها كل شيء عمّا حصل فأجابت الأم أنها ستهتمّ بالأمر، عادت الطمأنينة حالًا إلى نفسي. وفي اليوم التالي جاءت إليّ تلك الراهبة وقالت: «كافأكِ الله».

22- يوم سبت يعقوب [الرهباني] أفهمني الله كم كان عليّ أن أتعذّب. واتّضح لي ما التزمتُ به، واختبرتُ شيئًا من ذلك العذاب. لكن الله ملأ نفسي مجدّدًا بتعزيات كبيرة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق